السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

176

مفاتيح الأصول

للمعهود الذّهني أعني الخبز والماء المقرر في الذّهن أنّه يؤكل ويشرب وهو مقدار مّا معلوم وحاصل الأول أنّه إذا أطلق المعرف بلام العهد الذّهني الذي هو قسم من تعريف الجنس على موجود معيّن يحتمله وغيره اللَّفظ وأريد بخصوصه من بين تلك المحتملات بدلالة القرينة وهذا مثل المعرّف بلام العهد الخارجي على معهود معيّن من بين معهودات خارجية كقولك لمخاطبك ادخل السّوق مريدا به واحدا من أسواق معهودة بينك وبينه عهدا خارجيا معينا له من بينها بالقرينة ولو بالعادة فكما أن ذلك ليس من تخصيص العموم في شيء فكذا هذا وأشار إلى ما ذكره العضدي أيضا ومنها أنّه لو امتنع ذلك لكان لتخصيصه وإخراج اللَّفظ عن موضوعه إلى غيره وهذا يقتضي امتناع كل تخصيص وهو باطل وأورد عليه في المعالم بالمنع من كون الامتناع للتخصيص مطلقا بل لتخصيص خاص وهو ما يعدّ في اللَّغة لغو أو ينكر عرفا ومنها ما تمسّك به في الوافية فقال لنا أصالة الجواز من غير مانع وتحقق العلاقة بين المعنى الحقيقي للعام وهو الأفراد وبين الواحد والاثنين والثلاثة من تلك الأفراد وهي الجزئية انتهى وقد تمسّك بهذا الوجه السّيد الأستاذ فقال يدلّ على الجواز المقتضي للصحّة وانتفاء المانع منها أما من جهة المخصّص فذلك ظاهر وإن كان مستقلا لأن الاستثناء موضوع لمطلق الإخراج كالشرط لمطلق الاشتراط والغاية لمطلق التحديد وأما من جهة العام فلتحقق الوضع فيما يصح فيه الإخراج قبل الحكم ووجود العلاقة المصححة للتجوز وهي علاقة العموم والخصوص دون المشابهة والكلّ والجزء والكلَّي والجزئي فيما لا يصحّ فيه ذلك كما في التخصيص بالمنفصل ثم قال علاقة العموم والخصوص هي نوع مستقلّ من أنواع العلاقة مغاير لما عداه من الأنواع وقد أثبتها علماء الأصول ثم قال علي أن التحقيق أن العلاقة غير متوقفة على السّماع ولا محصورة فيما ذكروه من الأنواع وفيه نظر للمنع من الأصل المذكور بل الأصل عدم صحة ذلك لأنّه لا شك في أن صحة الاستعمال لغة من الأمور التوقيفية كما أن صحّة العبادة والمعاملة منها فكما أن الأصل فساد العبادة والمعاملة حيثما لم يقم من الشرع دليل على الصّحة فكذلك الأصل فساد الاستعمال حيثما لم يقم دليل على صحة لغة كما في محلّ البحث لعدم قيام دليل على صحة الاستعمال المفروض سواء قلنا بأن العام بعد التخصيص حقيقة أو مجازا أما على الأول فلعدم قيام دليل على عموم الوضع بحيث يشتمل محلّ الفرض وأما على الثاني فللمنع من وجود علاقة معتبرة وقد يجاب عما ذكر بأن الدليل على صحة الاستعمال المفروض موجود فإن غلبة تطرق أنواع التخصيصات إلى أنواع العمومات مضافا إلى صحة استثناء الأكثر وكثرة القائلين بالصّحة وندرة المصرّح بالمنع مع ملاحظة أن المثبت مقدم على الثاني يدل عليها ومرجعها إلى الاستقراء وهو حجة في اللَّغات وإلَّا لما ثبت فيها أصل كلَّي وأما منع وجود العلاقة المعتبرة فضعيف كما سيأتي إليه الإشارة إن شاء الله ومنها ما أشار إليه في التمهيد فقال ومن فروع المسألة ما إذا قال واللَّه لا أكلَّم أحدا ونوى زيدا ولا آكل طعاما ونوى معيّنا وظاهر الأصحاب هنا قبول قوله مطلقا انتهى وفيه نظر وللقول الثاني وجوه أيضا منها الأصل المتقدم إليه الإشارة وقد عرفت ما فيه ومنها عدم وجود العام المخرج أكثر أفراده في اللَّغة وفيه نظر ومنها أن العام المخصص مجاز ومن البيّن أن المجاز مشروط بوجود العلاقة وهي منتفية فيما إذا خصّص الأكثر كما أشار إليه في المعالم فقال لما كان مبنى الدّليل على أن استعمال العام في الخصوص مجاز كما هو الحق ولا بد في جواز مثله من وجود العلاقة المصحّحة للتجوز لا جرم كان الحكم مختصا بقدر استعماله في الأكثر لانتفاء العلاقة في غيره فإن قلت كل واحد من الأفراد بعض مدلول العام فهو جزؤه وعلاقة الكلّ والجزء حيث يكون استعمال اللَّفظ الموضوع للكل في الجزء غير مشترط بشيء كما نصّ عليه المحققون وإنما الشّرط في عكسه أعني استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكلّ وحينئذ فما وجه تخصيص وجود العلاقة بالأكثر قلت لا ريب في أن كلّ واحد من أفراد العام بعض مدلوله لكنها ليست أجزاء له كيف وقد عرفت أن مدلول العام كلّ فرد لا مجموع الأفراد وإنما يتصوّر في مدلوله تحقق الكلّ والجزء لو كان بالمعنى الثاني وليس كذلك فظهر أنّه ليس المصحح للتجوّز علاقة الكلّ والجزء كما توهم وإنما هو علاقة المشابهة أعني الاشتراك في صفة وهي هاهنا الكثرة فلا بدّ في استعمال لفظ العام في الخصوص من تحقق كثرة تقرب من مدلول العام لتحقق المشابهة المعتبرة لتصحيح الاستعمال وذلك هو المعني بقولهم لا بدّ من بقاء جمع يقرب إلى آخره انتهى وفيه نظر أمّا أولا فلما ذكره جدي الصالح فإنه قال الحصر ممنوع لجواز أن يكون العلاقة علاقة الخاص والعام انتهى وأورد عليه بعض الأجلَّة فقال قلنا نطالبه بمثل هذا الاستعمال في الكلام الفصيح حتّى يظهر تجويز الواضع لنوع هذه العلاقة والتمثيل بمثل إطلاق العلماء على زيد في كلام بعض الأفاضل ليس حجة ومن أطلقهم عليه لادعائه